أحمد بن علي القلقشندي
117
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وإحسان ، واستعتب ( 1 ) دهرها المسئ فأعتب ، وأرضى عنها زمانها وقد كان صال عليها صولة مغضب ، فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا ، وصرف اهتمامه فرجع كلّ متضايق من أمورها واسعا رحبا ، ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوّا وعطفا ، وأظهر له من الولاء رغبة في ثواب اللَّه ما لا يخفى ، وأبدى من الاهتمام بالبيعة أمرا لو رامه غيره لا متنع عليه ، ولو تمسّك بحبله متمسّك لا نقطع به قبل الوصول إليه ، لكن اللَّه ادّخر هذه الحسنة ليثقّل بها في الميزان ثوابه ، ويخفّف بها يوم القيامة حسابه ، والسعيد من خفّف حسابه ؛ فهذه منقبة أبى اللَّه إلا أن يخلَّدها في صحيفة صنعه ، وتكرمة قضت لهذا البيت الشريف بجمعه بعد أن حصل الإياس من جمعه ؛ وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصّنائع ، ويعرف أنه لولا اهتمامك لا تّسع الخرق على الراقع ، وقد قلَّدك الديار المصريّة والبلاد الشامية ، والديار البكريّة والحجازية واليمنيّة والفراتيّة ؛ وما يتجدّد من الفتوحات غورا ونجدا ، وفوّض أمر جندها ورعاياها إليك حين أصبحت في المكارم فردا ؛ ولم يجعل ( 2 ) منها بلدا من البلاد ولا حصنا من الحصون مستثنى ، ولا جهة من الجهات تعدّ في الأعلى ولا الأدنى . فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لها حاملا ، وخلَّص نفسك من التّبعات اليوم ففي غد تكون مسؤولا لا سائلا ، ودع الاغترار بالدنيا فما نال أحد منها طائلا ، وما رآها أحد بعين الحقّ إلا رآها خيالا زائلا ؛ فالسعيد من قطع آماله الموصولة ، وقدّم لنفسه زاد التقوى فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة ؛ وابسط يدك بالإحسان والعدل فقد أمر اللَّه بالعدل والإحسان في مواضع من القرآن ، وكفّر به عن المرء ذنوبا وآثاما ، وجعل يوما واحدا فيه كعبادة العابد ستّين عاما ؛ وما سلك أحد سبيل العدل والإحسان ، إلا واجتنيت ثماره من أفنان ، وتراجع الأمر فيه بعد تداعي
--> ( 1 ) في مآثر الإنافة : « وعتب » . ( 2 ) في مآثر الإنافة : « ولا جعل » .